أحمد بن يحيى العمري

86

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

فتنة الترك قد أتت * من بلاد المشارق أيّ شخص بدا له * دينه لم يفارق إنّ أحدا قنا به * أبدا في حدائق لم نطق سلوة * مذ بدا في المناطق فها أنتم أهل المغرب رأيتم واحدا من أهل المشرق بزيه فتنكم حسنه ، حتى خاف قاضيكم ، المشفق عليكم الفتنة بحسنه وبحسن زيّه ، وقال ( ص 18 ) فيه شعراؤكم ما قالوا ، حتى عرض أحدهم بمفارقة الدين في هواه ، وما ترك خليفتهم - والله أعلم - قبوله نحلا بالعوض عنه ، ولكن خوف الفتنة به ، لإبداع حسنه في رأي عيون أهل المغرب ، إذ لا نظير له عندهم فيقع في ظنونهم . إن مثل هذا لا صبر لأحد عنه ، ولعل هذا المملوك ما كان حدّ نفسه ، ولا واحد جنسه ، وهل هو إلا واحد من أهل بلاد لا ينظر إليه فيها بعين الاستحسان ، ولا يفرق فيها بينه وبين غيره من الغلمان . هذا وقد قال قائلكم واحتفل أن قيمة ذاك المملوك على ما زعم تاجره عشرون ألف درهم مغربية ، ولعمرك لقد كثّر غير كثير ، وعظّم غير عظيم ، و « 1 » هل الدراهم المغربية إلا الدراهم السود كل ثلاثة بدرهم نقرة « 2 » من نقد مصر ؟ ؟ وكان الترك في ذلك الوقت أغلى قيمة من وقتنا هذا بأضعاف مضاعفة ، ولعله لو كان بمصر اليوم لما سوي أكثر من ألفي درهم . وكم في إصطبلات آحاد الأمراء مملوك بألفين وفوق الألفين ، بل فيها من ثمنه عشرة آلاف درهم وما يزيد وينقص . فكيف لو رأيتم اليوم المماليك بمصر ، وفيهم مع كثرة الجلب ورخص القيمة من بلغ ثمنه ثمانين ألف درهم ، ثمنها من دراهمكم مائتا ألف وأربعون ألفا « 3 » لكنتم ترون ما تحار فيه عقولكم ، ويعشي لمعانه أبصاركم ، وأحسن ما فعله قاضيكم في تغيير زي هذا المملوك المشرقي بالزي

--> ( 1 ) ليست ( و ) في الأصل أضفتها لتستقيم العبارة . ( 2 ) النقرة : السبيكة . مختار الصحاح ( نقر ) . ( 3 ) في الأصل ( أربعون الف ) وما أثبته أصوب ؛ لأن تميز العقود بعد العشرة منصوب .